كيف ساهمت سياسات الإدارة الذاتية في عودة نشاط “داعش”؟

Read in English
 

بالرغم من مرور أكثر من عامين على تحرير مخيم الباغوز في محافظة ديرالزور، والذي كان آخر معاقل تنظيم “داعش” في سورية، ومحاولات التحالف الدولي وحليفته الإدارة الذاتية ارساء الاستقرار في مناطق شرق الفرات ومنع عودة التنظيم إلى واجهة الأحداث، إلا أن التنظيم لازال يمارس نشاطه وعملياته الأمنية في المنطقة، والتي تشهد تزايداً ملحوظاً مع مرور الزمن خاصة في العامين الأخيرين.

عودة نشاط “داعش” في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، لا تتعلق فقط بسياسات التنظيم التي ينتهجها منذ انهياره، مثل التحول إلى الولايات الأمنية وحرب العصابات وغيرها، بل هناك عوامل أخرى ساعدة في عودة خلاياه للعمل، تلك العوامل مرتبطة بسياسات الإدارة الذاتية الخاطئة وغير المدروسة التي شكلت عاملاً مهماً في عودة نشاط التنظيم واستمراره، تلك السياسات الخاطئة يمكن تلخيصها في ثلاثة نقاط، أولها إطلاق سراح مقاتلي التنظيم، والثاني الفشل في إدارة الملف الاقتصادي، والثالث متعلق بفشل نظم الحوكمة وتعامل الإدارة مع المجتمعات القبلية.

إطلاق سراح مقاتلي “داعش”

تمكنت قوات سوريا الديمقراطية الجانح العسكري للإدارة الذاتية لشمال وشرق سورية، خلال حربها على تنظيم “داعش” في الفترة الممتدة بين عامي 2017 و2019، من اعتقال الآلاف من عناصر التنظيم وعائلاتهم، هؤلاء المعتقلين تم توزيعهم بين معتقلات مثل سجن الحسكة وسجن كوباني وسجون أخرى، والبعض ووضع بمخيمات أشبه بالمعتقلات الجماعية، مثل مخيم الهول جنوب شرق محافظة الحسكة ومخيم عين عيسى شمال شرق محافظة الرقة. 

الإدارة الذاتية لم تتعامل مع ملف المعتقلين من مقاتلي “داعش” بطريقة جيدة، حيث بدأت بالعمل على إطلاق سراح مقاتلي التنظيم خاصة المحليين من السوريين، تحت بنود مختلفة تتعلق بوساطات عشائرية وأخرى نتيجة عفو صادر عنها ضمن مناسبات محددة، عمليات إطلاق سراح مقاتلي التنظيم السوريين ازدادت مؤخراً، بسبب تفشي فايروس كورونا وتخوف الإدارة الذاتية من انتشار الوباء في سجونها.

عمليات إطلاق سراح مقاتلي التنظيم المستمرة من قبل الإدارة الذاتية، تأتي بدون أي عمل مرافق لها يساهم في إعادة تأهيل العناصر المطلق سراحهم أو العمل على دمجهم مجدداً ضمن المجتمعات المحلية، ومحاولة معالجة الإرث الايدلوجي الديني الذي زرعه التنظيم في هؤلاء العناصر، ما يتركهم رهينة حالة دينية مرتبطة بالتنظيم معادية لمن سواه، هذا بدوره هيّئ بيئة مؤاتية لعودة هؤلاء العناصر إلى ممارسة التطرف التي يوفرها التنظيم مدفوعة بمساعي هؤلاء المقاتلين الشخصية في الانتقام.

تنظيم “داعش” استغل عمليات إطلاق سراح عناصره من سجون الإدارة الذاتية، عن طريق إعادة تجنيد الكثير منهم في صفوف خلاياه العاملة في مناطق شرق الفرات، ما عزز صفوفه بعناصر بشرية مهمة من ذوي الخبرة والكفاءة على المستوى العسكري والتنظيمي، بخاصة الجيل الشاب من هؤلاء العناصر الذي يملك الاندفاع العقدي والمعنوي لمعاودة التجربة مع التنظيم، ما تسبب بزيادة وتيرة الهجمات وأعطى التنظيم القدرات البشرية لقلب المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة تفتقد للأمن والاستقرار.

الفشل في إدارة الملف الاقتصادي

تعيش مناطق سيطرة الإدارة الذاتية حالها حال بقية مناطق سورية أوضاع اقتصادية سيئة، نتيجة انخفاض سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، وارتفاع أسعار السلع الغذائية، وعدم توفر فرص العمل التي تتناسب مع العدد الكبير لليد العاملة في تلك مناطق، خاصة في ظل أزمة وباء كورونا وانخفاض معدلات الاستثمار، نتيجة تدهور الوضع الأمني في تلك المناطق.

الوضع الاقتصادي المتردي تفاقم خلال العام الأخير، حيث تعزي الإدارة الذاتية هذا التدهور إلى عدم قدرتها على عزل مناطقها عن التداعيات السلبية لانخفاض سعر الليرة السورية، وتوقف عمل بعض المعابر التي تصل مناطقها بمناطق الجوار مع النظام السوري والجار العراقي، خاصة معبر اليعربية الذي يصل مناطقها بمدينة ربيعة العراقية، والذي كان لتوقفه دور في ارتفاع أسعار السلع وفقدان البعض منها في الأسواق. 

تدهور الوضع الاقتصادي في مناطق الإدارة الذاتية لا يتوقف على الحالة العامة التي يعيشها الاقتصاد السوري، لكن هذا التدهور كان لسياسات الإدارة الذاتية دور فيه نتيجة عدة ممارسات، أولها، تخلي الإدارة الذاتية عن ثروات المنطقة وبيعها للنظام السوري خاصة النفط والقمح، ما ترك مناطق سيطرتها تعاني من أزمات متكررة للمحروقات والخبز.

النوع الثاني من سياسات الإدارة الذاتية التي ساهمت في تردي الوضع الاقتصادي، تجاهل ملف تهريب المواد الأساسية الغذائية والطبية إضافة للمواشي من مناطق سيطرتها إلى مناطق سيطرة النظام السوري، والتي يقوم بها مهربون نتيجة تفاوت أسعار تلك المواد بين مناطق الطرفين، بالاشتراك مع قادة بارزين من قوات سوريا الديمقراطية، خاصة في مناطق الرقة وديرالزور المتصلة بشكل مباشر مع مناطق النظام.

كما تشكل سياسة الإدارة الذاتية في تخصيص الحجم الأكبر من ثروات المنطقة للجانب العسكري، المتعلق بقتال كلاً من “داعش” وتركيا والفصائل السورية الموالية لها، إضافة لتخصيص حجم كبير من الأموال لدعم حزب العمال الكردستاني PKK وكوادره الموجودة في قنديل، عامل في تردي الواقع الاقتصادي، كان يمكن أن يكون الحال أفضل لو تم استثمار تلك الأموال على تحسين الاقتصاد في مناطق شمال وشرق سورية التي تسيطر عليها.

تردي الوضع الاقتصادي وسياسات الإدارة الذاتية التي زادت من هذا الواقع مأساوية، دفعت المجتمعات المحلية إلى زيادة عمليات الاحتجاجات الرافضة لتلك الممارسات، حيث تشهد مناطق ديرالزور والرقة وبعض مناطق الحسكة، مظاهرات وعمليات قطع للطرقات بشكل مستمر، للمطالبة بتحسين الواقع الاقتصادي وتخصيص جزء من ثروات المنطقة التي تسيطر عليها الإدارة الذاتية لأنعاش مناطق سيطرتها اقتصادياً.

تنظيم “داعش” وجد في الوضع الاقتصادي المتدهور وغضب الأهالي على سياسات الإدارة الذاتية، فرصة لتعزيز نشاطه على صعيدين أثنين، الأول دعائي، عن طريق المقارنة بين الواقع الاقتصادي خلال فترة سيطرته بين عام 2014 وحتى سقوط الباغوز 2019،في محاولة لدفع المجتمعات المحلية للرغبة في عودته للسيطرة، والثاني استغلال عمليات الفوضة المرافقة للعمليات الاحتجاجية في المدن والبلدات، من أجل استهداف قوات سوريا الديمقراطية ومكاتب الإدارة المدنية الممثلة للإدارة الذاتية والعاملين معها من مدنيين وعسكريين، إضافة لاستغلال حاجة السكان المحليين في هذه الظروف لدفعهم للانتساب إلى صفوفه مقابل البدل المادي الذي يوفره التنظيم لهم.

 القبائل ونظم الحوكمة

بعد تلاشي وجود “داعش” في مناطق شمال شرق سورية، حاولت الإدارة الذاتية، بناء الثقة مع القبائل التي تشكل غالبية المجتمعات المحلية في مناطق سيطرتها، خاصة قبائل العكيدات والبقارة وشمر والجبور والعفادلة، تلك القبائل التي أخذت على عاتقها مسؤولية إدارة المناطق الجغرافية والموارد الطبيعية الواقعة ضمن مناطق نفوذها قبل أن يستولي عليها تنظيم “داعش”.

محاولات الإدارة الذاتية لكسب المجتمعات القبلية جاءت عن طريق الحوكمة وأشراك تلك القبائل في إدارة تلك المناطق، عبر تشكيل المجالس المدنية في الرقة وديرالزور والحسكة، وتشكيل المجالس العسكرية التباعة لها وترك أمر قيادتها لشخصيات من أبناء تلك القبائل، كما حدث في مجلس ديرالزور العسكري الذي تركت قيادته لـ أحمد الخبيل المنحدر من قبيلة العكيدات، والحفاظ على قوات الصناديد الممثلة لقبيلة شمر والمتحالفة عسكرياً مع الإدارة الذاتية في مشروع قوات سوريا الديمقراطية.

عقبات كثيرة واجهت الإدارة الذاتية بخصوص محاولاتها كسب ثقة القبائل، أهمها وجود معظم الشخصيات القبائلية المؤثرة خارج تلك المناطق والتي هربت من “داعش”، وهؤلاء يرون في الإدارة الذاتية وتجربتها حالة مؤقتة مصيرها الزوال، وكانوا يريدون العودة إلى ترتيبات الحكم التي كانت سائدة قبل استيلاء “داعش” على مناطقهم، أما العقبة الثانية، أن ولاءات العديد من العائلات البارزة في شمال شرق سورية قد انقسمت بين جهات متعددة، بما في ذلك الإدارة الذاتية والنظام السوري وأطراف أخرى من المعارضة.

الإدارة الذاتية حاولت تجاوز تلك العقبات عبر الاعتماد على الشخصيات المتواجدة في المنطقة، للعمل معها على إدارة المنطقة لكن تلك المحاولات التي نشأت سرعان ما تدهورت لأسباب عديدة، أولها أن الإدارة الذاتية لم تعطي تلك المجتمعات القبلية سلطات فعلية في الإدارة بل كانت تلك السلطات شكلية، وتركت السلطة الحقيقية بيد الشخصيات والقادة من خلفية قومية كردية.

السبب الثاني في تدهور العلاقة بين المجتمعات القبلية والإدارة الذاتية، عمليات الاغتيال التي طالت العديد من الوجاهات العشائرية مثل الشيخ بشير فيصل الهويدي في محافظة الرقة والشيخ مطشر الهفل في ديرالزور وغيرهم، ما تسبب باندلاع احتجاجات قبائلية، البعض منها اتهم الإدارة الذاتية في الوقوف وراء عمليات الاغتيال تلك، والبعض حملها المسؤولية نتيجة عدم قدرتها على إدارة ملف المنطقة عسكرياً وأمنياً .

تدهور علاقات المجتمعات المحلية مع الإدارة الذاتية ازداد بشكل أكبر بعد فشل تجربة المجالس المدنية، التي تربط المجتمعات المحلية بالإدارة الذاتية، نتيجة انتشار الفساد داخلها وعدم وجود الإمكانيات بيد تلك المجالس للنهوض بحاجة المجتمعات المحلية الاقتصادية والخدمية، ما أدخل المنطقة بدوامة من الاحتجاجات المستمرة على عمل تلك المجالس، الأمر الذي خدم التنظيم في تأليب الرأي العام ضد الإدارة الذاتية، واستغل حالة الفوضى المرافقة للاحتجاجات والسخط الشعبي على عمل الإدارة لتقوية خلاياه وممارسة نشاطه بشكل أكبر مستفيداً من تلك المعطيات. وهكذا، طالما استمر التوتر بين المجتمعات المحلية والإدارة الذاتية، فمن المتوقع أن داعش ستواصل تمددها.

 

Photo by DELIL SOULEIMAN/AFP via Getty Images

Source link